شبح مجازر 1972 يطارد بوروندي

أضيف بتاريخ 04/29/2022
أ ف ب


تبكي لايتيتيا نغينداكومانا البالغة 60 عاما وكأن ها ما زالت في العاشرة من عمرها عام 1972 عندما اختفى والدها في إطار موجة مجازر عرقية شهدتها بوروندي وقررت لجنة حكومية الآن تصنيفها على أنها إبادة جماعية.

على غرار الآلاف غيرها، انهار عالم نغينداكومانا قبل نصف قرن عندما أوقفت الحكومة البوروندية التي هيمن عليها التوتسي والدها، وهو مصرفي من الهوتو في بوجومبورا كبرى مدن البلاد.

وقالت في مقابلة أجرتها معها وكالة فرانس برس في منزلها المحاط بأشجار الموز قرب جيتيغا، عاصمة بوروندي السياسية، "لم نعرف قط أين اقتادوا والدي. ما أعرفه هو أننا خسرنا كل شيء كان لدينا".

ولم يخفف زواجها وولادة أطفالها الـ12 ولا توقف سفك الدماء، وجعها الذي ما زال بالحدة نفسها كما في العام 1972.

لفترة طويلة كان الحديث عن المجازر علنا من المحر مات، بينما يشير البورونديون إلى الفترة بين نهاية نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 1972 باسم "إيكيزا" ("الويلات" باللغة الكيروندية وهي اللغة الرسمية في البلاد).

لكن العام 2019، أعلنت "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي شكلتها السلطات عن خطة لنبش مقابر جماعية لإحصاء الضحايا ومحاولة تحديد هوياتهم.

تواصلت نغينداكومانا فورا مع اللجنة.

كان تحديد الرفات بعد خمسة عقود مهمة شبه مستحيلة لكن المزارعة تعل قت بأمل واحد: طقم أسنان والدها.

وقالت "تعر ض والدي لحادث وخسر أسنانه. كان يضع أسنانا صناعية ذهبية".

وقادت معلومة بشأن أطقم أسنان معدنية المحققين لاكتشاف رفات والدها التي عثر عليها على جانب تلة، على بعد بضعة كيلومترات فقط عن منزلها قرب جيتيغا.

منذ الاستقلال العام 1962، قتل مئات آلاف البورونديين في أعمال عنف عرقي بين الهوتو والتوتسي وخلال حرب أهلية.

وانطلقت مجازر العام 1972، التي يرى فيها البعض الفصل الأكثر قتامة في تاريخ بوروندي، في 29 نيسان/أبريل عندما هاجم متطرفون من الهوتو أشخاصا من التوتسي في جنوب البلاد خصوصا.

وأعقبت ذلك سلسلة عمليات انتقامية استحالت مجازر في حق النخبة من أفراد الهوتو، من مدر سين ورؤساء تنفيذيين وتلاميذ مدارس.

وقتل 100 ألف إلى 300 ألف شخص في أعمال العنف، معظمهم من الهوتو الذين يشك لون 85 في المئة من سكان بوروندي، بينما يشك ل التوتسي 14 في المئة.

واجتاحت عمليات القتل أنحاء البلاد، لكن جيتيغا كانت المركز، إذ أنها تستضيف معسكرا للجيش حيث تم احتجاز الضحايا قبل قتلهم ورميهم في حفر.

ومن بين نحو 20 ألف ضحية تم نبش رفاتهم في أنحاء بورودي، عثر على حوالى 7000 في تسع مقابر جماعية في جيتيغا وحولها.

لكن لم يعثر على الكثير من المقابر الأخرى حتى اليوم.

وقال رئيس لجنة الحقيقة والمصالحة بيار كلافيه ندايكاريي لوكالة فرانس برس "عندما نتحدث عن 7000 ضحية، يتعل ق الأمر فقط بالمقابر التي عثرنا عليها بالفعل، وتأكدنا منها ونبشناها".

وبعد تحقيق استمر ثلاث سنوات، نشرت لجنة الحقيقة والمصالحة في كانون الأول/ديسمبر تقريرا مرحليا جاء فيه أن عمليات القتل ترقى إلى إبادة وجرائم ضد الإنسانية.

وقال ندايكاريي "عام 1972، قتلت الدولة شعبها"، مشددا على الدور الذي لعبه الرئيس حينذاك ميشال ميكومبيرو، وهو من التوتسي، في ترتيب المجازر.

وأفاد أنها "مجزرة نظرا إلى أن الدولة خططت لهذه الإبادة ونظ متها ونف ذتها".

لكن لا يوجد إجماع على وجهات نظره، إذ يت هم بعض المراقبين النظام الحالي الذي يهيمن عليه الهوتو باستغلال لجنة التحقيق والمصالحة لانجاز أهدافه.

وواجهت اللجنة التي ينتمي معظم أعضائها إلى الحزب الحاكم، اتهامات بالتحي ز لتركيز معظم عمليات التنقيب في المواقع حيث دفن الهوتو بينما تم تجاهل مقابر ضحايا التوتسي.

وأفاد المؤر خ إيفاريستي نغايمبيندا وكالة فرانس برس "هناك في الواقع مشكلة أجندة سياسية في هذه القصة"، مشيرا إلى استخدام الحكومات المتعاقبة الورقة العرقية.

وأضاف "عندما كان التوتسي في السلطة.. كان تجن ب تهديد الهوتو موضوعا دائما واليوم ما يجري هو العكس، إنه تجن ب تهديد التوتسي، وهذا موضوع دائم".

وبحسب عميد جامعة بحيرة تانغانييكا ومقرها بوجومبورا، فإن جهود لجنة الحقيقة والمصالحة تعكس أيضا "أوجه القصور المنهجية" في ما يتعلق بتحديد أعمار المقابر وغياب أي احتكام للخبرة الدولية، خصوصا تلك التي توفرها الأمم المتحدة.

ومع اقتراب ذكرى مرور 50 عاما على المجازر، تتكد س جماجم وعظام وأكياس تحتوي على ملابس ممزقة عثر عليها قرب جيتيغا داخل غرفة صغيرة معتمة في مبنى حكومي، بانتظار يوم تحو لها إلى جزء من نصب تذكاري عام.

ورغم أن السلطات لم تعلن عن أي خطط لإحياء الذكرى، تأمل نغينداكومانا وزوجها إيمانويل بيراكومينيو بأن تستغل الحكومة المناسبة من أجل ان تلتئم جراح الماضي في البلاد.

وقال بيراكومينيو، وهو استاذ سابق نجا من المجازر، "هذه نزاعات قد تنتهي شيئا فشيئا، لكن على الحكومة المساعدة".