الداخلة - وادي الذهب.. تشبث بتقاليد راسخة في ظل أجواء رمضانية استثنائية

أضيف بتاريخ ٠٥/٠٦/٢٠٢١
و م ع - سعد أبو الدهاج


الداخلة - للعام الثاني على التوالي، تستقبل ساكنة جهة الداخلة - وادي الذهب، قدوم شهر رمضان الفضيل، متشبثة بعادات وتقاليد عريقة وراسخة، في ظل أجواء استثنائية فرضتها حالة الطوارئ الصحية المرتبطة بجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

وتعمل ساكنة لؤلؤة إقليم وادي الذهب، على غرار باقي جهات المملكة، على التوفيق بين الالتزام الواجب بالإجراءات الوقائية والاحترازية التي أقرتها السلطات المختصة للحد من تداعيات هذه الجائحة، وبين ما يفرضه الاحتفاء بشهر رمضان المبارك الذي يكتسي أهمية دينية وروحية كبيرة في قلوب وأفئدة الساكنة المحلية.

وبالرغم من أن جائحة (كوفيد-19) غيبت العديد من المظاهر الاجتماعية (الزيارات العائلية والتجول الليلي) والأجواء الدينية (صلاة التراويح والتوافد على المساجد) المرتبطة عادة بهذا الشهر الأبرك، فإن الأسر المحلية واصلت مع ذلك تعلقها والتزامها بباقي الطقوس التعبدية والعادات الاجتماعية التي تميز شهر رمضان.

ومن بين هذه العادات الرمضانية، تبرز على الخصوص الأصناف والأكلات المحلية الأصيلة بجهة الداخلة - وادي الذهب، التي تشكل زادا للمؤمنين لأنها تمدهم بالطاقة اللازمة وتخفف عنهم الجوع طيلة أيام هذا الشهر الفضيل، وتعينهم على ممارسة عباداتهم وفرائضهم الدينية على أكمل وجه.

وبالرغم من أن الأجواء الدينية خلال رمضان تتشابه بين مختلف جهات المملكة، فإن العادات الغذائية المواكبة لهذا الشهر الأبرك تختلف بين المدن والجهات باختلاف الخصوصيات السوسيو-ثقافية والحضارية والتراثية التي تميز كل منطقة جغرافية على حدة.

وفي هذا الصدد، تعمل الأسر في مدينة الداخلة وباقي مناطق الجهة، على تحضير أطباق محلية أصيلة تعكس غنى وتنوع الموروث الحضاري والاجتماعي للمنطقة، الذي تحرص الأجيال المتعاقبة على الحفاظ عليه وتثمينه على نحو أفضل.

وفي بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، قالت الفاعلة الجمعوية، فاطمة الشكاف، "بعد يوم كامل من الصيام، يتحلق أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار التي يتسيدها الشاي واللبن والتمر واللحم، باعتبارها من المواد الأساسية التي تحرص الأسر الصحراوية على تحضيرها أو اقتنائها".

وأوضحت السيدة الشكاف، وهي رئيسة جمعية الحياة والثقافة والبيئة المستدامة بجهة الداخلة - وادي الذهب أن المائدة الرمضانية المحلية ترتكز على ما يسمى "مواعين أتاي"، حيث يتم إعداد الشاي الصحراوي قبل أذان المغرب بنحو 20 دقيقة ليكون جاهزا عند وقت الإفطار، حيث يتم تناوله مع حبات من التمر و"زريك اللبن" الذي يعتمد في تحضيره على الحليب واللبن (الإبل و الماعز) والماء، ويضاف إليه السكر حسب الحاجة، ويجري خلط مكوناته ووضعها في إناء يسمى "الكدحة".

بعد ذلك، يتم تناول طبق "النشا"، الذي يجري إعداده بالماء المغلي والشعير وقليل من الملح ليتم تقديمه في آنية من الخشب، كما يتم تناول الزبدة أو السمن الذي يختلف عن غيره بباقي جهات المملكة.

وأشارت السيدة الشكاف إلى أن مائدة الإفطار في الأقاليم الجنوبية تشمل أيضا طبق "لكلو"، وهو شعير يتم تحضيره من خلال خلطه مع حفنة من الرمل لإنضاجه فوق الجمر باستعمال إناء من الطين مخصص لهذا الغرض. وبعد الحصول على حبات من الشعير الأحمر، يتم نزع الرمل بواسطة الغربال، ليقدم بعدها مع السمن أو الزبدة.

وأضافت أن مائدة الإفطار المحلية تتزين كذلك بطبق "الطاجين" الذي يختلف عن ما هو موجود في باقي جهات المملكة، إذ يتكون من "لحم الفلك ة" (الإبل) أو "لحم أفشاي" (الغنم)، مع الإشارة إلى أن هذه الأكلة المكونة من "الكناديز" والكبد والقلب يتم تحضيرها أيضا بمناسبة ليلة القدر المباركة.

وبالنسبة لوجبة العشاء، تضيف السيدة الشكاف، تحرص النساء الصحراويات على تحضير طبق محلي شهير يدعى "مارو باللحم"، الذي يتم إعداده من خلال وضع لحم الإبل داخل قدر خاص مع قليل من الزيت والملح والماء، وإضافة الأرز ليطبخ في مرق اللحم، ليتم بعد ذلك تقديمه في صحن كبير.

كما تقوم نساء المنطقة، خلال هذا الشهر الفضيل، بتحضير صنف آخر له شهرته المحلية، يسمى "تيدغيت"، وهو لحم مشطر يجري تجفيفه في الشمس ويتم تناوله مع مادة دسمة تدعى "الدروة" (سنام الجمل).

من جهة أخرى، أعربت السيدة الشكاف عن حنينها إلى زمن كرح كؤوس الشاي بجيماتها الثلاث، "الجمر والجماعة والجر"، التي كانت تؤثث مجالس الأسر والعائلات والأصدقاء، وكذلك الأمر بالنسبة لجلسات السمر والتسلية بالألغاز أو ما يعرف محليا "التحاجي" أو "لمراد"، إضافة إلى الألعاب الشعبية المحلية مثل "ضامة و"السيك" والألعاب العصرية مثل "الورق" و"الدومينو" وغيرها.

كما لفتت الانتباه إلى أن العادات الغذائية لأهل الصحراء المغربية عرفت تحولات سوسيو-اقتصادية متسارعة نجم عنها تغير نوعي في نمط العيش والاستهلاك، معربة عن أسفها لكون بعض هذه العادات أضحت شبه غائبة عن موائد الإفطار، حيث لم تعد للأطباق المحلية تلك المكانة التي كانت تتبوأها.

وأوضحت، في هذا الإطار، أن بعض المكونات الأساسية لمائدة الإفطار لم يعد لها إقبال كبير لدى الأجيال الصاعدة، مثل خبز "الفطير"، الذي يتم تحضيره من دقيق الشعير والماء فقط من دون إضافة ملح أو خميرة، ويتم إنضاجه على الطريقة التقليدية وذلك من خلال وضعه في حفرة رملية تغطى بالجمر. وبعد إخراجه من تلك الحفرة، يتم تقطيعه ووضعه في صحن يرفق بالمرق المكون من لحم الإبل.

وأشارت، بالمقابل، إلى أنه في الوقت الحاضر، وبحكم دينامية التبادل السوسيو-الثقافي بين جميع مناطق المملكة، فقد اتجهت معظم الأسر المحلية نحو المزج بين الأطباق الرمضانية المحلية، وبين أصناف وأكلات أخرى من باقي ربوع المملكة، من بينها على الخصوص "الحريرة" و"المسمن" وحلوى "الشباكية" و"سلو" وغيرها.

وتعد العادات الغذائية لساكنة الداخلة وباقي الأقاليم الجنوبية عموما، علامة مميزة تشهد على عراقة وأصالة هذه الربوع الغالية من المملكة، كما تعكس بقوة المكانة التي يحظى بها شهر رمضان الكريم لدى ساكنة الجهة باعتباره شهرا فضيلا تتخلله أجواء روحانية ودينية، وتسوده ثقافة التسامح والتراحم وقيم التضامن والتكافل.