الصحراويون وكورونا: هل وصل الدرس؟

الصحراويون وكورونا: هل وصل الدرس؟

أضيف بتاريخ ٠٥/٠٧/٢٠٢٠
القدس العربي - نزار بولحية


صدقناها أم لم نصدقها للدول المغاربية الخمس على الأقل أرقام وإحصائيات وتقارير رسمية تصدرها يوميا للكشف عن أعداد المصابين والمتوفين، جراء فيروس كورونا. لكن من يستطيع اليوم أن يعرف مثلا كم صحراويا أصيب أو قضى بالوباء القاتل لا بغيره في خيام تندوف؟ ومن يمكنه أن يجزم بأن المنطقة تخلو تماما وفعليا من أي حالات، أو إصابات مثلما أعلن عنه؟

إن المفارقة هي أن المكان الوحيد الذي لم تصله بعد جائحة كورونا في المغرب الكبير هو، على ما يبدو، المكان نفسه الذي كان سنوات قليلة إلى الوراء، أكثر المناطق المغاربية إثارة للخلافات والصراعات الإقليمية، وليس هناك ما يدل مع ذلك على أن تلك الوضعية لا تستثمر سياسيا من قبل الجانبين المتصارعين في النزاع الصحراوي، أي المغرب والجزائر، خدمة لرؤية وتصور كل واحدة منهما للمشكل. كما أنه ليس مؤكدا كذلك، ما إذا كان عدم الإعلان لا في الصحراء التي يدعوها المغرب بالمغربية، ولا في تلك التي تسميها البوليزاريو بالغربية، إلى حد الساعة عن تسجيل ولو إصابة واحدة بالوباء، مرده غياب فعلي وحقيقي للحالات المصابة في تلك المناطق؟ أم الحرص الرسمي المتعمد على التعتيم والتمويه على وجودها، حتى لا يعتبر ذلك ربما بنظر الخصم، أو الطرف المقابل فشلا وإخفاقا يمكن استغلاله بطريقة ما في الحرب الدبلوماسية والإعلامية المستعرة والمستمرة، للتدليل على انتماء الصحراء لهذا الجانب أو ذاك. ولعل كثيرين قد يخطر ببالهم حال سماعهم مثل تلك الادعاءات أن يسألوا عن سر تلك الحظوة والميزة، وعما إذا كانت بعض المؤشرات مثل ارتفاع درجات الحرارة، وقلة تردد الزوار الأجانب، خصوصا مما بات يعرف بالبؤر الأوروبية للفيروس، على الصحراء هي العوامل الأساسية التي حسمت وسهلت ذلك في حال ما إذا ثبتت بالنسبة لهم بالطبع رواية الطرفين، واقتنعوا بها. غير أن الأمر قد لا يكون خاضعا بالضرورة لتلك الاعتبارات المناخية، أو العلمية وحدها. لكن بغض النظر عن ذلك، وسواء أكان أولئك الصحراويون ينتمون للمغرب، أم يتبعون البوليزاريو، فلن يكون مثل ذلك التفصيل ضروريا ومهما في هذا الوقت على الأقل، ليحدد بشكل جوهري أي قسم منهم يمكن أن يصاب بالفيروس قبل الآخر، أو يبقى على العكس بمنأى عنه، إذ لا يتعلق الأمر عند الحديث عن العدو الصامت كورونا، بالمقارنة بين من يملك عدة وعتادا وتجهيزا أكثر من غيره، أو بين من لديه إمكانات دولة، ومن تعوزه مثل تلك الإمكانات، حتى تثبت قدرة هذا الطرف على التصدي له أكثر من الآخر، ولو أن ذلك العنصر يبقى مهما وفارقا جدا في حالة انتشار الوباء، وتكاثر عدد الضحايا. فحتى لو لم يصب صحراوي حتى الآن بالفعل، فإن الصحراويين سيتضررون، سواء من وجود الفيروس، أو حتى بدون وجوده في ديارهم. فمن بوسعه في هذا الظرف العصيب الذي يجتازه العالم بأسره أن يذكرهم أو يهتم بهم، أو أن يلتفت إلى الصعوبات والمشاكل اليومية التي يتخبطون فيها، خصوصا داخل المخيمات، وحتى قبل أن يظهر الوباء؟

وربما كان من الغريب جدا أن تتجاهل السلطات الجزائرية، وهي التي كانت الحاضنة التاريخية والمهد الفعلي للبوليزاريو، أن تقوم بأي تصريح رسمي يدل على استعدادها لأن تضع كل إمكاناتها وقدراتها في خدمة الصحراويين الموجودين بمخيمات تندوف، لمواجهة الوباء، أسوة بما فعله الرئيس الجزائري، حين بعث قبل أيام برقية إلى نظيره الموريتاني، معربا له فيها عن استعداده لوضع إمكانات بلده تحت تصرف جارته الجنوبية، ولعلها قدرت أن دعمها لهم يبقى تحصيل حاصل. لكن الجزائريين اظهروا اهتماما اكبر ربما بالبحث عما يجري على الطرف الآخر من حدودهم. ففي إحدى البرقيات التي نقتلها وكالة الانباء الجزائرية في المدة الأخيرة، في سياق تغطيتها لتطورات الوباء على الصعيد الإقليمي، ذكرت نقلا عن مصادر في البوليزاريو أن المستوطنين بدأوا بالفرار، ليس من أراض فلسطينية محتلة مثلما قد يتبادر للوهلة الأولى للأذهان، بل من مناطق متنازع عليها تقع تحت سيطرة المغرب. وبالطبع فلم يكن المعنيون بذلك هم الاعداء الإسرائيليون، كما أوحت به العبارة، بل بعض الأشقاء المغاربة، بحسب ما يطلق عليهم في الإعلام الرسمي الجزائري نفسه، لكن لماذا تحدثت تلك البرقية في هذا الوقت بالذات عن قصة الفرار تلك؟ وما الذي دفع هؤلاء بحسب الوكالة، ليتركوا تلك الاراضي التي تعتبرها الرباط أقاليمها الجنوبية؟

إن ما أوردته الوكالة نقلا عن مصادر من جبهة البوليزاريو هو أن «آلاف المغاربة واصلوا التوافد على محطات النقل بمدينة الداخلة لمغادرتها نحو ذويهم بالمغرب، خوفا من انتشار وباء فيروس كورونا»، في إشارة إلى أنهم غرباء عن الصحراء، وأن الخوف من الوباء هو الذي دفعهم للعودة إلى مناطقهم الاصلية في المغرب، الشيء الذي نفته بالطبع مصادر إعلامية مغربية، موضحة أن الرواية من وحي الخيال، وأن الأمر يتعلق «بتنقل بعض الصيادين بالمنطقة بعد توقيف نشاط الصيد البحري بقرى الصيادين، بسبب الفترة البيولوجية من أجل العودة إلى ذويهم»، مثلما ذكره موقع «هيسبريس» الإخباري، لكن لم يكن ليغيب عن بال الطرف المقابل في الرباط أن يشير مجددا بدوره عبر بعض وسائل إعلامه إلى حالة العزلة التي بات يعيش فيها سكان مخيمات تندوف، والمناطق الخاضعة لسيطرة البوليزاريو، بعد أن تركوا وحدهم في مواجهة الجائحة الكونية، مثلما لم يغب عن قادة الجبهة أن يستغلوا الفرصة ليطلقوا نداء دوليا لا لمساعدتهم على مقاومة كورونا، بل لإطلاق سراح من وصفوهم بالأسرى المدنيين الصحراويين في السجون المغربية.

ولكن ما قيمة كل ذلك بالاخير وما الذي سيستفيده الصحراويون، سواء من كان منهم داخل المغرب أو خارجه في المخيمات، من مثل ذلك التراشق الإعلامي المعتاد؟ لقد بقي هؤلاء على مدى أكثر من أربعة عقود، ضحايا لصراعات وتجاذبات مغربية جزائرية صرفة، وعاش جزء منهم في شبه عزلة وحجر سياسي وإنساني مطول، على أمل تقرير المصير. وربما فتحت محنة كورونا أعينهم الآن، على حجم النفاق والانتهازية والاستغلال الذي تعرضوا له على مدى تلك السنوات، فإذا كان الأوروبيون قد تخلوا في هذه المحنة عن إيطاليا وإسبانيا، وهما دولتان أوروبيتان قريبتان منهما، فكيف سيكون الأمر مع منطقة بعيدة عنهم جغرافيا، قد لا يعنيهم منها شيء آخر عدا ثرواتها ومواردها المعلنة والمخفية؟ وأين ذهبت كل تلك الوفود والشخصيات الأجنبية التي كانت تزور المخيمات من حين لآخر؟ ثم إلى متى ستبقى قضيتهم مجالا للمساومات والمزايدات، ويظلون تحت رحمة الإعانات والمساعدات المنهوبة والمشروطة؟ لعل الوباء سيكون فرصة سانحة لهم للمراجعات، ولعل الأمل كذلك في وعيهم جميعا بالحاجة الملحة لذلك قد يكبر بعيدا عن رهانات وإكراهات السياسة، رغم ما سيقوله البعض من أن ذلك قد يكون أصعب عليهم حتى من الحرب على الفيروس نفسه.
كاتب وصحافي من تونس

المصدر