الأزمة "آخذة بالتفاقم" في وسط مالي

الأزمة "آخذة بالتفاقم" في وسط مالي

أضيف بتاريخ ٠٣/١٦/٢٠٢٠
أ ف ب


موبتي (مالي) - "كل يوم نواجه حادثة بالغة الخطورة، وكل منها تأتي بمزيد من النازحين"، يقول بمرارة مامادو لمين ديوب، أحد مسؤولي الأمم المتحدة في وسط مالي.
 
تغرق هذه المنطقة في دوامة عنف منذ خمس سنوات، ويعد مامادو لمين ديوب الذي يدير مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هناك، في موقع يسمح له باختصار المشهد قائلا أن ه "آخذ بالتفاقم".
 
ولطالما بقي وسط مالي بمنأى نسبيا من حركات التمرد الانفصالية في شمال البلاد. ولكن بعد اندلاع الأزمة في 2012 على إثر هجمات متمردين طوارق متحالفين مع جماعات جهادية، فإن ها لم تستثن المساحات الصحراوية الشمالية الواسعة.
 
فاتخذت على إثر ذلك جماعات مسلحة، ينتمي بعضها إلى الفصائل الجهادية، موطئ قدم في الوسط بمحيط مدينة موبتي غير البعيدة من الحدود مع بوركينا فاسو أو موريتانيا. ونمت هذه الجماعات هناك في ظل النزاعات القديمة المرتبطة بالسيطرة على الأرض، الخصبة ولكن المتنازع عليها، بين مربي المواشي والمزارعين، فضلا عن نزاعات ذات طابع إثني وأخرى داخل المكو نات نفسها التي تتشكل منها المنطقة.
 
واستفادت تلك الجماعات على وجه الخصوص من الشعور المتجذر محليا بإهمال الدولة، وطرحت خطابا دينيا، ولكن أيضا اجتماعيا واقتصاديا، على المجموعات السكانية التي تعاني غالبا من الفقر. كما أن ها وف رت الحماية لمجموعات ضد أخرى وجندت رجالا على خلفية الاقتناعات الدينية أو مجرد الانتهازية.
 
ومنذ 2015، صارت المنطقة مسرحا لفظاعات شتى: هجمات على الحضور القليل المتبقي للدولة، مذابح قروية، تصفية حسابات وأعمال وحشية. واتخذت أعمال العنف طابعا مجتمعيا متصاعدا ، خصوصا بين الفولانيين والدوغون. وتشكلت على إثر ذلك ميليشيات للأمن الذاتي.
 
وتنشر مجموعة موالية لتنظيم القاعدة، يقودها فولاني يدعى امادو كوفا، الرعب في المنطقة. كما تتهم ميليشيا دان آن بسوغو التي نشأت تحت شعار الدفاع عن مكو ن الدوغون، بارتكاب فظائع.
 
تكاد لا تمر أيام قليلة من دون تسجيل هجمات. وأفرغت أعمال العنف الأهلية عشرات القرى الفولانية، خصوصا قرب الحدود مع بوركينا فاسو. وقال ناشط في مجال العمل الإنساني لفرانس برس طالبا عدم ذكر اسمه، "إن ها قرى أشباح بعدما خلت إلا من الأكواخ. الجميع رحل".
 
ونتيجة ذلك، صارت مدينتا موبتي وسيفاريه تزدحمان بالسكان. فمن أصل نحو 200 ألف شخص نزحوا جراء النزاع في مالي، اتجه نصفهم تقريبا نحو الوسط.
 
ويقول ديوب "قبل أن تتمكن من إطفاء حريق، يندلع آخر".
 
بوريما باري (56 عاما ) أحد هؤلاء النازحين بعدما فر من قريته الواقعة على بعد كيلومترات قليلة من بلدة باندياغارا، آملا بالعودة إليها يوما ما من دون خشية الأعمال الانتقامية.
 
ويروي بينما يجلس تحت خيمة ضمن مخيم أقيم للنازحين في ملعب كرة قدم في سيفاريه، "في قريتنا، كنا أول من فر في نيسان/ابريل 2019، ولكن بعيد ذلك اضطر الجميع إلى الفرار". ويضيف "منذ نحو عام لم يتحسن الوضع البتة".
 
ويوضح اليون تينيه، الخبير المستقل الذي ارسلته الأمم المتحدة إلى المنطقة في شباط/فبراير، أن "الحقيقة" تكمن في أن لا الجيش المالي ولا بعثة الأمم إلى مالي "بمقدورهما حماية المدنيين بالشكل المناسب".
 
ويقد م الأحداث التي شهدتها بلدة اوغوساغو كدليل. فقد قتل هناك نحو 30 مدنيا في شباط/فبراير، بعد أقل من عام على مذبحة راح ضحيتها نحو 160 قرويا من الفولانيين، في وقت كان الجيش المالي والبعثة الأممية مدركين لخطورة التهديدات.
 
ويشير إلى أن "حصول هجوم جديد في اوغوساغو بعد عام، يعني أن حماية المدنيين غير متوافرة".
 
يواجه المدنيون الذين آثروا البقاء في ديارهم تهديد نقص الأغذية. وتشير الأمم المتحدة إلى أن انعدام الأمن الغذائي يطاول نسبة شخصين من أصل خمسة في وسط مالي.
 
ويقر الحاكم الإقليمي عبدالله سيسيه بأن الوضع "مثير للقلق"، ولكن ه يتدارك أن ه "ليس مستعصيا على الحل". ويكشف التوصل إلى اتفاقات لمنع الأعمال العدائية على مستوى القرى.
 
ويوضح أن ه "مهما فعلنا، سنجلس (إلى طاولة مفاضات) يوما ما. فلماذا إذا انتظار سقوط آلاف القتلى قبل العودة إلى المفاوضات؟ المشكلة ليست عسكرية فقط".
 
وكان الرئيس المالي ابراهيم ابو بكر كيتا أعاد فتح هذا النقاش، إذ أقر في شباط/فبراير بأن الحكومة سعت إلى فتح قنوات مع بعض الجهاديين الماليين، وبينهم امادو كوفا.
 
وقال مصدر قريب من الحكومة "من الممكن التفاوض حول شيء ما مع امادو كوفا"، مشيرا إلى "الرسوخ المحلي" للجماعة.
 
والأسبوع الماضي، أعربت الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة التي ينتمي إليها كوفا عن انفتاحها على التفاوض، وإن ما شرط أن تسحب فرنسا والأمم المتحدة قواتهما من مالي.
 
وأسفرت أعمال العنف التي ينفذها الجهاديون، فضلا عن النزاعات بين المكونات المحلية، عن سقوط آلاف القتلى ومئات آلاف النازحين في مالي منذ 2012. وامتد هذا المشهد من وسط مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر المحاذيتين.