في حد السوالم.. مواطنات إفريقيات يجسدن الاندماج الهادئ للمهاجرات

في حد السوالم.. مواطنات إفريقيات يجسدن الاندماج الهادئ للمهاجرات

أضيف بتاريخ ٠٣/٠٩/٢٠١٩
و م ع - محمد بدوي


حد السوالم(اقليم برشيد) - قليلات الكلام، غير أنهن دائمات الابتسام والتفاؤل، هن أربع مدرسات ينحدرن من إفريقيا جنوب الصحراء، يعملن بمدرسة "عالية" قرب حد السوالم، يجسدن صورة ملموسة عن الجهود التي تبذلها المملكة من أجل تسهيل اندماج الأجانب في المجتمع المغربي، خاصة منهم القادمين من جنوب الصحراء.

ماري وكريستين وإيدالي وجنيفييف، نساء حملتهن رياح الهجرة منذ سنوات عدة نحو المغرب من بلدانهن الأم (ثلاث منهن من الكوت الديفوار والرابعة من الكونغو)، ومع ذلك اتفقن في الإجابة عن سؤالهن عما إذا كن يرغبن في العودة قريبا إلى مواطنهن بالقول "لا مجال حاليا للتفكير بالعودة نهائيا إلى الوطن، الذي يبقى مكانه راسخا بالقلب والروح".

بالنسبة لماري، التي اعتنقت الإسلام وأصبحت تحمل اسم مريم، فهي "جد سعيدة بالعيش في المغرب الذي حلت به منذ 2011"، مشيرة إلى أن "الوضع غير المستقر بالكوت ديفوار حينها، دفعني لمغادرة البلاد رفقة أطفالي، لم تكن لدي فكرة واضحة عن البلد الذي سأقصده، كان علي أن أختار ما بين المغرب وتونس، غير أن أقرباء لي نصحوني بأن أختار المغرب، لكونه بلدا مضيافا ومتسامحا، ويمنح المهاجرين فرصا غير محدودة للاندماج الاقتصادي".

و"بالفعل، تضيف مريم، كان الاستقبال جيدا، وأظن أنني نجحت في أن أندمج بسهولة ودون مشاكل ضمن المحيط الذي أعيش فيه".

وهو ما أكدته السيدة أمل اللبار، صاحبة المؤسسة التي تشتغل فيها هذه المهاجرة الإيفوارية ذات الخمسة وأربعين عاما، إذ لم تتردد في الإشادة بالصفات والخصال الإنسانية التي تتمتع بها مريم، فضلا عن كفاءاتها وقدراتها المهنية.

"لا أخفيكم أمرا"، تقول السيدة، "لدي ثقة عمياء فيها، هي أمرأة مخلصة ومتفانية في عملها، سلمتها مفاتيح الأقسام والمكاتب ومصالح أخرى داخل المؤسسة، وأنا سعيدة بالخدمات التي تقدمها لهذه المؤسسة التربوية".

هي نموذج يجسد الاندماج الناجح للمهاجرين، الذي جعل منه المغرب تحديا حقيقيا، ففي ما قبل كان الاندماج الاقتصادي للمهاجرين يواجه عوائق بسبب القانون المتعلق بتشغيل الأجانب، ومن ذلك أنه لتشغيل أي شخص أجنبي بالمغرب عبر الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل وتشغيل الكفاءات (انابيك) في منصب معين، كان لا بد من إثبات بأنه لا يوجد أي عاطل مغربي يمكنه أداء المهمة المطلوبة.

وفي هذا الصدد، توضح السيدة اللبار (صاحبة مؤسسة عالية) أن المدرسة انخرطت في السياسة التي انتهجها المغرب لإدماج المهاجرين واللاجئين من خلال تسوية وتقنين الاندماج المهني، مشيرة إلى أن المؤسسة بادرت، على غرار العديد من المقاولات الوطنية، إلى الإدماج الكامل لأربعة مدرسات إفريقيات في محيطهن الاجتماعي الجديد، عبر تمكينهن من السكن بالقرب من المدرسة.

وهي الخطوة التي لقيت ترحيبا كبيرا من لدنهن، لا سيما جنيفييف كوامي التي كانت تشتغل مهندسة مباني ببلدها الكوت ديفوار، والتي عبرت عن سعادتها لانتمائها إلى طاقم هذه المؤسسة التعليمية النموذجية على كافة المستويات، مشيدة بالإطار العام الملائم للعمل.

لتتابع "استطعنا أن نقيم علاقات ممتازة مع أطفال المدرسة ومع آبائهم"، معتبرة أن إدماج المهاجرين مهنيا يمثل تحديا حقيقيا لكل بلدان الاستقبال.

وقالت "بصراحة لم يسبق لي أن واجهت أي نوع من المشاكل هنا، سواء مع الناس أو مع السلطات، وتعلمت الكثير من الأشياء عن المجتمع المغربي، ونجاحي في عملي سيساعدني على تحقيق أحلامي".

فيما استذكرت مواطنتها إيدالي الظروف الصعبة التي عاشتها بموطنها الأصلي (الكوت ديفوار)، والتي جعلتها تهاجر نحو المغرب، قائلة "كانت أياما صعبة جدا، تركت في نفسي أسى كبيرا، غير أنني اليوم لا أفكر سوى في المستقبل، وأبذل كل ما في وسعي لأنجح في الاندماج بيسر في محيطي الجديد، وأستطيع أن أؤكد أنه يمكنني تجاوز كل العراقيل بوجود امرأة مثل السيدة اللبار".

والأمر نفسه بالنسبة لكريستين، القادمة من الكونغو والبالغة من العمر 50 سنة، والتي ذكرت أنها "جاءت للمغرب لتبقى إلى جانب ابتيها اللتين تتابعان دراستهما بهذا البلد الذي نحبه كثيرا".

وتضيف كريستين "ترددت كثيرا قبل أن أقرر الالتحاق بابنتي بالمغرب، لكن ما إن استقر بي المقام داخل هذا البلد، حتى ترسخت لدي القناعة بأنه بمقدوري أن أعيش هنا أطول مدة ممكنة"، مبرزة العلاقات المميزة التي تجمعها مع المغاربة، خاصة زملاءها بالعمل.

وتشكل هذه المؤسسة التربوية، التي افتتحت قبل سنتين، نموذجا للجمع بين الالتزام المواطن لعدد من الشركاء وهاجس التنمية البشرية داخل منطقة تتميز بطابعها القروي، وتحتاج إلى تعليم بجودة عالية.

فهذه المدرسة، التي يقصدها تلاميذ ينحدرون من 15 دوارا مجاورا، تبقى مثالا عما يجب أن يكون عليه واقع الشراكة بين المحسنين والمؤسسات الاقتصادية والسلطات المحلية، بفضل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

فالمؤسسة، التي يديرها طاقم إداري وتربوي ينتمي إلى نادي (إينر ويل كازا بلانكا رونيسونس- الدائرة 73)، توفر للمتعلمين أدوات بيداغوجية حديثة وموارد بشرية مؤهلة، من بينها المدرسات الإفريقيات الأربع، اللائي يقمن بتدريس اللغة الفرنسية.

وتضم عدة قاعات للدرس مجهزة بسبورات تفاعلية وأدوات بيداغوجية مختلفة، وقاعة للموسيقى وأخرى للطبخ التطبيقي، وأيضا مطعما لفائدة التلاميذ والأطر التربوية والإدارية، ومكاتب إدارية وفضاء خارجيا للعب.

وخلال جولة بمرافق المؤسسة، لم تتوقف السيدة اللبار عن التأكيد على أهمية إحداث مثل هذه المؤسسات التعليمية داخل الوسط القروي، حيث الحاجة كبيرة لمثل هذه المبادرات، التي تنطلق من مبدأ أن التربية والتعليم عاملان محددان بالنسبة للأطفال المنحدرين، في غالبيتهم، من أوساط فقيرة.